هدنة هشّة.. الأسواق تتنفس وإشارات الخطر تبقى قائمة -- Apr 10 , 2026 32
نادراً ما بدت مقولة جورج سوروس بأن "الأموال الطائلة تُجنى في الانتقال من الوضع الكارثي إلى الوضع الكارثي بكل بساطة" أكثر انسجاماً مع المشهد، كما حدث عشية وقف إطلاق النار بين
الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين، وهي هدنة لم تنهِ الصراع، لكنها أوقفت على الأقل سيناريو التصعيد الأخطر الذي كان دونالد ترامب قد لوّح به.
الانتعاش الذي شهدته الأسواق العالمية يوم الأربعاء لم يكن سوى موجة ارتياح مؤقتة، بعدما أسقط وقف إطلاق النار أسوأ الاحتمالات، وفي مقدمها توجيه ضربة أميركية إلى بنى تحتية حيوية في إيران، مقابل تهديدات إيرانية بالرد على محطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء في الخليج.
وجاءت الدفعة الأقوى من شمال آسيا، وخصوصاً من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، وهي اقتصادات تعتمد بالكامل على واردات النفط الخام والديزل والغاز الطبيعي المسال من الخليج، حيث صعدت مؤشراتها الرئيسية بين 5 و6 في المئة خلال جلسة واحدة. ثم امتد هذا الارتفاع من طوكيو إلى أوروبا، وصولاً إلى وول ستريت، حيث أنهى مؤشر ناسداك الجلسة على مكاسب بلغت 2.8 في المئة.
وفي المقابل، هبط خام برنت بنسبة 17 في المئة إلى 92 دولاراً، بعدما استبعدت الأسواق فرض حصار إيراني طويل الأمد على مضيق هرمز، وما قد يستتبعه من صدمة إمدادات طاقة شبيهة بما شهده العالم منذ حرب تشرين 1973. كما تراجع مؤشر التقلبات في وول ستريت من 30 إلى 20، مع انخفاض رهانات المتداولين على سيناريوات الانفجار الشامل.
لكن هذا الارتياح لم يدم طويلاً. فبعد يومين من "الثلاثاء المكسيكي" في 7 نيسان، عادت الأسواق إلى تسعير الخوف بدرجة أعلى مع انطلاق محادثات السلام بين الوفد الأميركي ووزير الخارجية الإيراني في إسلام آباد. وتراجع مؤشر مورغان ستانلي لآسيا والمحيط الهادئ بين 1 و2 في المئة، وارتفع برنت إلى 98 دولاراً، فيما انخفضت الأسواق الأوروبية والأميركية وصعد مؤشر التقلبات إلى 22.
ويبدو هذا التبدل منطقياً في ظل الهوة الكبيرة بين المطالب الأميركية الخمسة عشر والشروط الإيرانية العشرة للسلام. فهذه الشروط المتشددة من الطرفين تبدو موجهة أساساً إلى الداخل، في محاولة لتثبيت الشرعية السياسية بعد الحرب.
ولا تزال جبهة لبنان تمثل نقطة الضعف الأبرز في وقف إطلاق النار، مع استمرار القصف الإسرائيلي على أهداف تابعة لـ"حزب الله". وقد ربطت إيران إعادة فتح مضيق هرمز بما يجري في لبنان، وهو شرط يرفضه بنيامين نتنياهو بشكل قاطع.
وفي موازاة ذلك، لا تبدو مطالب طهران مقبولة أميركياً، سواء لجهة تخصيب اليورانيوم، أو الحفاظ على برنامج الصواريخ الباليستية، أو سحب الأصول العسكرية الأميركية من دول الخليج، أو الحصول على تعويضات، أو فرض سيادة كاملة على مضيق هرمز. ومع ذلك، فإن هذا لا يلغي احتمال التوصل إلى هدنة تعيد فتح أهم ممر للطاقة في العالم، وتنهي ما بات بعض خبراء البنتاغون يسمونه "حرب هرمز".
وتاريخياً، فإن مفاوضات بهذا التعقيد قد تحتاج بين سنة وسنتين، كما حصل في كامب ديفيد وأوسلو والاتفاق النووي. ومن بين الطروحات الممكنة توزيع إدارة مضيق هرمز بين الدول الساحلية وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي، على أن تضطلع الولايات المتحدة والصين بدور الضامنين المشتركين، وهي صيغة سبق أن نجحت في معالجة نزاعات في مضائق وممرات مائية عالمية أخرى.
لكن كلفة الحرب بدأت تترك أثرها بالفعل. فقد ارتفعت توقعات التضخم في سوق المقايضات من 2.25 في المئة عشية الحرب في منتصف شباط إلى 3 في المئة حالياً، فيما انتقلت توقعات الأسواق من خفضين للفائدة في 2026 إلى عدم ترجيح أي خفض. وبلغت الكلفة العسكرية المباشرة للحرب على الولايات المتحدة 40 مليار دولار، في وقت دفعت فيه إيران ودول الخليج أثماناً مالية ونفسية وبشرية باهظة.
أما على مستوى الشركات، فقد قدّرت "إكسون" خسارة 4 في المئة من إنتاجها العالمي نتيجة الهجمات على منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها في الخليج، بينما أعلنت "دلتا إيرلاينز" أن فاتورة وقود الطائرات ارتفعت بمقدار ملياري دولار. كذلك هبطت سندات شركات التطوير العقاري في دبي إلى مستويات تعكس عوائد بين 25 و40 في المئة، في إشارة إلى ارتفاع كبير في مخاطر التعثر.
في المحصلة، لم تؤد هدنة الأسبوعين إلى أكثر من تجميد مؤقت للمواجهة. أما الخسائر التي خلفتها حرب آذار ونيسان، فستبقى حاضرة في الأسواق والاقتصاد والمنطقة، حتى بعد أن تهدأ المدافع. (agbi)